الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
8
مختصر الامثل
هنا عن جماعة يستخدمون طاقاتهم من أجل بثّ اللاهدفية وإضلال المجتمع ، ويشترون شقاء وبؤس دنياهم وآخرتهم . فتقول أوّلًا : « وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِى لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّخِذَهَا هُزُوًا » . ثم تضيف أخيراً : « أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ » . إنّ شراء لهو الحديث والكلام الأجوف إمّا أن يتمّ عن طريق دفع المال في مقابل سماع الخرافات والأساطير ، أو أن يكون عن طريق شراء المغنّيات لعقد مجالس اللهو والباطل والغناء . ويحتمل أيضاً أن يكون للشراء هنا معنى كنائي ، والمراد منه كل أنواع السعي للوصول إلى هذه الغاية . وأمّا « لَهْوَ الْحَدِيثِ » فإنّ له معنىً واسعاً يشمل كل نوع من الكلام أو الموسيقى أو الترجيع الذي يؤدّي إلى اللهو والغفلة ، ويجرّ الإنسان إلى اللاهدفية أو الضلال ، سواء كان من قبيل الغناء والألحان والموسيقى المهيّجة المثيرة للشهوة والغرائز والميول الشيطانية ، أو الكلام الذي يسوق الإنسان إلى الفساد عن طريق محتواه ومضامينه . ولجملة « لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ » مفهوم واسع أيضاً ، يشمل الإضلال العقائدي ، كما قرأنا ذلك في قصة النضر بن الحرث وأبي جهل ، وكذلك يشمل الإفساد الأخلاقي كما جاء في أحاديث الغناء . والتعبير ب « بِغَيْرِ عِلْمٍ » إشارة إلى أنّ هذه الجماعة الضالة المنحرفة لا تؤمن حتى بمذهبها الباطل ، بل يتّبعون الجهل والتقليد الأعمى لا غير . أمّا وصف العذاب ب ( المهين ) فلأنّ العقوبة متناغمة مع الذنب ، فإنّ هؤلاء قد استهزؤوا بآيات اللَّه وأهانوها ، ولذلك فإنّ اللَّه سبحانه قد أعدّ لهم عذاباً مهيناً ، إضافة إلى كونه أليماً . وأشارت الآية التالية إلى ردّ فعل هذه الفئة أمام آيات اللَّه ، وتوحي بالمقارنة بردّ فعلهم تجاه لهو الحديث ، فتقول : « وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِى أُذُنَيْهِ وَقْرًا » . أي ثقلًا يمنعه من السماع . . ثم تذكر أخيراً عقاب مثل هؤلاء الأفراد الأليم فتقول : « فَبَشّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ » . إنّ التعبير ب « وَلَّى مُسْتَكْبِرًا » إشارة إلى أنّ إعراضه لم يكن نابعاً من تضرّر مصالحه الدنيوية والحدّ من رغباته وشهواته فحسب ، بل إنّ الأمر أكبر من ذلك ، فإنّ فيه دافع التكبر أمام عظمة اللَّه وآياته ، وهو أعظم ذنب فيه . إنّ تعبير ( بشّر ) في مورد العذاب الإلهي الأليم ، يتناسب مع عمل المستكبرين الذين كانوا يتخذون آيات اللَّه هزواً .